محمد أبو زهرة

3362

زهرة التفاسير

هؤلاء هم الذين عفا اللّه عنهم ، وهذا أحدهم لقد تاب فعفا اللّه عنه وصار من الشهداء الصديقين ، وأسند سبحانه العفو والعذاب إليه سبحانه تعظيما لمقام العفو ، وتهديدا بأهل العذاب ، ولقد بين سبحانه العذاب ، بقوله تعالى : بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ الإجرام الذنب الكبير الذي يكون له جرم ، وتفعله الجوارح ، وتكتسبه النفس ، وقد أشار سبحانه إلى أنهم مستمرون على إجرامهم ولم يتوبوا ، ولذلك يتأكد إجرامهم واستمرارهم عليه ، وعدم انخلاعهم منه ، فقد أكد الإجرام بالجملة الاسمية ، و ( أن ) الدالة على تأكيد ما بعدها ، و ( كان ) التي تؤكد القول ، وتدل على استمراره . أحوال المنافقين وصفاتهم وقد بين سبحانه صفات المنافقين الذين لا يرجى إيمانهم ، فقال تعالت كلماته : الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ ( 67 ) . إن المنافقين ينعزلون عن الجماعة المؤمنة ، فهم في نفرة عنهم ، ويكونون أنفسهم جماعة موحدة يجمعها فكر عام موحد يناقض الجماعة العامة التي يعيشون فيها ، فلا يرضيهم ما يرضى الجماعة بل يخالفونها ، ويناقضونها فيما تفكر وفيما تعمل ، فقد عزلوا أنفسهم عنها ، فإذا كانت الجماعة العامة متضافرة على الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فهم عكسوا ، معروفهم منكر عند جماعة المؤمنين ، ومنكرهم هو المعروف ، ولذا قال تعالى : الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ أي أنهم كل متصل الأجزاء ، ولايتهم واحدة وتناصرهم واحد ، وفي هذا تكذيب ليمينهم الكاذب فيما نقله سبحانه عنهم وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَما هُمْ مِنْكُمْ . . . ( 56 ) ، وهو تأكيد لما قاله سبحانه في نفى أنهم منكم .